الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
124
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والذرّة ولكنّا نكلّفكم ما تظنّون أنّه عدل ووفاء . والمقصود من هذا الاحتراس أنّ لا يترك النّاس التّعامل بينهم خشية الغلط أو الغفلة ، فيفضي ذلك إلى تعطيل منافع جمّة . وقد عدل في هذا الاحتراس عن طريق الغيبة الذي بني عليه المقول ابتداء في قوله : ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ الأنعام : 151 ] لما في هذا الاحتراس من الامتنان ، فتولّى اللّه خطاب النّاس فيه بطريق التكلّم مباشرة زيادة في المنّة ، وتصديقا للمبلّغ ، فالوصاية بإيفاء الكيل والميزان راجعة إلى حفظ مال المشتري في مظنّة الإضاعة ، لأنّ حالة الكيل والوزن حالة غفلة المشتري ، إذ البائع هو الذي بيده المكيال أو الميزان ، ولأنّ المشتري لرغبته في تحصيل المكيل أو الموزون قد يتحمّل التّطفيف ، فأوصي البائع بإيفاء الكيل والميزان . وهذا الأمر يدلّ بفحوى الخطاب على وجوب حفظ المال فيما هو أشدّ من التّطفيف ، فإنّ التّطفيف إن هو إلّا مخالسة قدر يسير من المبيع ، وهو الذي لا يظهر حين التّقدير فأكل ما هو أكثر من ذلك من المال أولى بالحفظ ، وتجنّب الاعتداء عليه . ويجوز أن تكون جملة : لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها تذييلا للجمل التي قبلها ، تسجيلا عليهم بأنّ جميع ما دعوا إليه هو في طاقتهم ومكنتهم . وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها في آخر سورة البقرة [ 286 ] . وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى . هذا جامع كلّ المعاملات بين النّاس بواسطة الكلام وهي الشّهادة ، والقضاء ، والتّعديل ، والتّجريح ، والمشاورة ، والصّلح بين النّاس ، والأخبار المخبرة عن صفات الأشياء في المعاملات : من صفات المبيعات ، والمؤاجرات ، والعيوب ؛ وفي الوعود ، والوصايا ، والأيمان ؛ وكذلك المدائح والشّتائم كالقذف ، فكلّ ذلك داخل فيما يصدر عن القول . والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق : بإبطالها ، أو إخفائها ، مثل كتمان عيوب المبيع ، وادّعاء العيوب في الأشياء السّليمة ، والكذب في الأثمان ، كأن يقول التّاجر : أعطيت في هذه السلعة كذا ، لثمن لم يعطه ، أو أنّ هذه السّلعة قامت علي بكذا . ومنه التزام الصّدق في التّعديل والتّجريح وإبداء النّصيحة في المشاورة ، وقول الحقّ في الصّلح . وأمّا الشّهادة والقضاء فأمر العدل فيهما ظاهر ، وإذا وعد القائل لا يخلف ، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث ، ولا يحلف على